عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
44
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
وبعد أن يكثر اللحم والشحم فلا بد من عمل الطهاة فيتقاسمون العمل من بين منضج في القدر ، ومصفف للحم وفريق ثالث يقوم بعمل الشواء وكلهم جاد صنّاع حاذق كما يبدو من أبيات امرئ القيس يصف صيدا آخر : فعادى عداء بين ثور ونعجة * دراكا ولم ينضح بماء فيغسل فظل طهاة اللحم من بين منضج * صفيف شواء أو قدير معجّل لقد كان إمرؤالقيس من طبقة الأسياد والملوك أما طرفة بن العبد فإنه أيضا يصف لنا طعاما غنيا تعب الإماء في إنضاجه ، إنه طعام من الشحم الدسم وخبز الحوارى أو خبز الملة الذي أنضج في الرماد ، يقول طرفة : فظل الإماء يمتلكن حوارها * ويسعى علينا بالسديف المسرهد « 1 » وللأعشى أيضا أبيات تؤكد ما قلناه من أن العرب في الجاهلية قد عرفوا « الشواء » وعرفوا الصفيف ، وعرفوا الطبخ في القدور وكان كل عمل مستقلا عن الآخر وله طهاة يختصون به ، يقول الأعشى : وقد أقود الصّبا يوما فيبتغي * وقد يصاحبني ذو الشّرة الغزل وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني * شاو مشل شلول شلشل شول « 2 » ويذكر ابن رشيق أن القبيلة من العرب كانت إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها وصنعت الأطعمة واجتمعت النساء يلعبن بالمزاهر « 3 » . إذن الشواء لم يكن طعام اللهو والصيد وإنما كان أفضل طعام يقدم للضيوف
--> ( 1 ) المعلقات : ص 79 ، امتل الخبزة : عملها في الملة والملة الجمر أو الرماد الحار ، والحوارى : الدقيق الأبيض - السديف : ج سداف شحم السنام ، قطعة . والمسرهد : السمين ، وسرهد السنام قطعه . ( 2 ) المعلقات : ص 133 ، وديوان الأعشى : ص 19 ط : الشركة اللبنانية ببيروت . ذو الشرة : الطائش - الحانوت : بيت الخمار - والشاوي : الذي يشوي اللحم . والمشل بكسر الميم : سواق الإبل الجيد السوق ، وقيل هو الذي يشوي اللحم في السفود ( الأسياخ ) . والشلول : بفتح الشين هو الذي يأخذ اللحم من القدر ، والشلشل : بضم الشينين : الخفيف اليد بالعمل ( الحاذق ) والشول هو الذي يحمل وفي رواية أخرى ( شمل ) بفتح فكسر وهو الطيب النفس والرائحة . ( 3 ) العمدة : لابن رشيق : ج 1 - ص 49 .